
اسيوط / دعاء ياسر
بتوجيهات كريمة من معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، وبرعاية فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، انعقدت اليوم الأحد الموافق 31 مايو 2026م الندوة الكبرى بمسجد حراء التابع لإدارة أوقاف شمال المدينة.
وذلك في إطار الدور الدعوي والتوعوي الذي تقوم به وزارة الأوقاف لترسيخ القيم المجتمعية وتصحيح المفاهيم الخاطئة، حيث تناولت الندوة موضوعًا بالغ الأهمية بعنوان: “صلة الأرحام ونبذ الخلافات الأسرية”، وسط حضور نخبة من علماء مديرية أوقاف أسيوط، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ محمود شاهين أحمد دسوقي مدير إدارة أوقاف شمال المدينة، وفضيلة الدكتور أسامة عوض عبد الله إمام وخطيب مسجد حراء.
وجاءت الندوة لتعكس وعيًا عميقًا بقضية مجتمعية تمس كل بيت وأسرة، في ظل ما يشهده العالم من تحديات اجتماعية متزايدة أثرت على العلاقات الأسرية والروابط الإنسانية، الأمر الذي يجعل من تعزيز قيم التراحم والتواصل وصلة الأرحام ضرورة شرعية ومجتمعية تسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده المحبة والمودة والاستقرار.
وفي كلمته، أكد فضيلة الشيخ محمود شاهين أحمد دسوقي مدير إدارة أوقاف شمال المدينة أن الإسلام أولى الأسرة عناية عظيمة، وجعل صلة الأرحام من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، مشيرًا إلى أن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة وترابط أفرادها، وأن تفكك العلاقات الأسرية يؤدي إلى آثار سلبية تنعكس على المجتمع بأسره.
وأوضح فضيلته أن القرآن الكريم حافل بالآيات التي تحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36].
وأضاف فضيلته أن صلة الرحم ليست مجرد زيارة عابرة، بل هي منظومة متكاملة من المحبة والتواصل والتعاون والتسامح والتراحم والسؤال عن الأحوال ومواساة المحتاجين وإدخال السرور على الأقارب، مبينًا أن القطيعة من أخطر الأمراض الاجتماعية التي تزرع الأحقاد وتؤدي إلى تفكك الأسر وضياع الأبناء وانتشار الخصومات.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رغّب في صلة الرحم ترغيبًا عظيمًا، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه البخاري ومسلم، موضحًا أن صلة الرحم سبب من أسباب البركة في العمر والرزق والسعادة في الدنيا والآخرة.
من جانبه، ألقى فضيلة الدكتور أسامة عوض عبد الله إمام مسجد حراء كلمة موسعة تناول فيها خطورة الخلافات الأسرية وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع، مؤكدًا أن كثيرًا من المشكلات الأسرية تبدأ بأسباب يسيرة ثم تتفاقم بسبب سوء الفهم أو التعصب للرأي أو التدخلات السلبية، حتى تتحول إلى قطيعة قد تستمر سنوات طويلة، وهو ما يتنافى مع تعاليم الإسلام السمحة.
وأوضح فضيلته أن الإسلام دعا إلى العفو والتسامح والإصلاح بين الناس، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1]، وقال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].
وأضاف أن المسلم الحقيقي هو الذي يسمو فوق الخلافات الشخصية ويحرص على الحفاظ على أواصر المحبة والرحمة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» رواه البخاري ومسلم، مبينًا أن هذا الوعيد الشديد يدل على عظم شأن الرحم وخطورة التفريط فيها.
كما استشهد فضيلته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رواه البخاري، مؤكدًا أن أعظم صور الصلة أن يبادر الإنسان بالخير حتى مع من أساء إليه أو قاطعه، طلبًا لرضا الله تعالى وابتغاءً للأجر والثواب.
وأشار إلى أن الأسرة المتماسكة هي الحصن الأول في مواجهة التحديات الفكرية والسلوكية التي تهدد المجتمعات، وأن الأبناء الذين ينشؤون في بيئة يسودها الحب والاحترام والتواصل يكونون أكثر استقرارًا نفسيًا وأكثر قدرة على خدمة أوطانهم ومجتمعاتهم.
وفي ختام الندوة، دعا الحضور إلى ضرورة إحياء قيمة صلة الرحم في حياتنا اليومية، والحرص على نبذ أسباب الشقاق والخلاف، والتخلق بأخلاق الإسلام القائمة على العفو والتسامح والإحسان، مؤكدين أن بناء مجتمع قوي ومتماسك يبدأ من أسرة متحابة مترابطة تسودها الرحمة والمودة.
حفظ الله مصرنا الغالية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجعلها دائمًا منارة للوسطية والاعتدال، في ظل القيادة الحكيمة لفخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.




