
بقلم محمد جابر
الممر مئة وستة وعشرون
يمثل ملف اللاجئين أحد أكثر القضايا المركبة والمعقدة في اللحظة الراهنة حيث تمتزج فيه الأبعاد الإنسانية مع الاعتبارات السيادية وتختلط الضغوط الاقتصادية بالتحولات الاجتماعية في ممر عائم تحيط به الاضطرابات وهنا يتطلب الأمر قراءة واعية تتجاوز الأصوات الحنجورية إلى التريث والتحليل فعندما تقترب من الواقع احرص على أن تنقله كما هو لا كما ينبغي أن يكون حتى يتسنى للقيادات متخذة القرار أن تدرك مدى عائمية الممر
لم يعد سؤال كم عدد اللاجئين داخل الممر ذات أهمية بل كيف أعاد هذا الوجود تشكيل تفاصيله الخاصة فالقضية لم تعد أرقام في تقارير ولا مشاهد إنسانية عابرة بل واقع يتحرك داخل الممر ويعيد طرح أسئلة الهوية والقدرة والاستيعاب بصيغة أكثر حدة ووضوح
على إحدى الطاولات الثقافية داخل الممر العائم بأحد منتديات الفكر تلاقينا دار الحديث وانفتح باب النقاش حول قضية اللاجئين في مصر لم يكن الحوار عاديا بل حمل نبرة حادة وطرح صادم يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالملف قيل بصوت يملؤه العصبية إن هناك خلط بين مفهوم اللجوء في صورته التقليدية داخل المخيمات وبين واقع مختلف يتجسد في اندماج واسع داخل المجتمع المصري هؤلاء ليسوا لاجئين بالمعنى المعتاد بل حضور ممتد بكل ثقافاته داخل نسيج مفتوح ومع هذا الاندماج تتسلل تساؤلات حادة حول تأثيراته على الهوية في مجتمع ظل عبر تاريخه قادرا على استيعاب التنوع دون أن يفقد خصوصيته وظل عصيا أمام كل محاولات تغيير الهوية وأغلق فوهة بوتقة الصهر القسري نهائيا
لكن ما يطرح داخل الممر هي نفس آليات الاندماج بل وتتفاقم كونها تتحول إلى مدخل لتغيرات تمس القيم والعادات وأنماط التفكير وربما المعتقد هذا الطرح لا يمر دون تحفظ وخاصة تلك المفردات حيث تتعالى في المقابل رؤية أكثر هدوءا تؤكد أن هذا الوجود يتم في إطار قانوني منظم وتحت مظلة رقابية دولية عبر مؤسسات معنية وأن القضية لا يمكن فصلها عن بعدها الإنساني والاقتصادي المركب غير أن هذا التوازن النظري يصطدم بواقع تتصاعد فيه مؤشرات احتقان متفرقة فداخل بعض البيئات احتكاكات عابرة لكنها متكررة تتراكم داخل الوعي الجمعي وتفرض حضورها في النقاش العام ومن هنا يبرز السؤال كيف يبدو الممر الآن الإجابة لم تعد تحتمل قراءة عاطفية بل تذهب إلى توصيف أكثر صراحة يشير إلى أن الواقع يقترب من حدود الضغط على القدرة الاستيعابية الآمنة فلم يعد التحدي اقتصادي بل امتد ليضغط على بنية العلاقات الاجتماعية وإيقاع الحياة في بعض البيئات الحضرية لم يعد الوجود مؤقت كما كان يتصور بل تحول إلى حضور ممتد يصنع تأثيره داخل تفاصيل الممر العائم ومع هذا التحول تظهر في بعض الحالات سلوكيات تتجاوز الإطار القانوني حين يغيب الضبط الحاسم
التجارب الإقليمية تطرح إشارات لا يمكن تجاهلها حيث يؤدي غياب الإدارة الدقيقة في حالات التداخل إلى بروز بؤر توتر معقدة فما حدث في .كينيا. حيث تحول مخيم اللاجئين الصوماليين إلى كيان موازي استغلته شبكات الإرهاب الدولي وفي .تنزانيا. حيث أصبح مخيم اللاجئين البورونديين ساحة لتصفية الحسابات السياسية وفي غانا. مع تدفقات النزوح من مالي .وبوركينا فاسو. حيث تحولت بعض المناطق إلى بؤر لصراعات قبلية على المياه والأراضي وفي موريتانيا حيث تحول مخيم اللاجئين الماليين إلى بيئة خصبة لتجنيد العناصر المتطرفة مع توجيه اتهامات للدولة بدعم جماعات مسلحة وعليه فإن المساعدات الدولية أقرب إلى مسكنات مؤقتة تخفي وراءها احتمالات انفجار مؤجل لا يمكن تجاهله لكن الفارق في الحالة المصرية أن الوجود ليس معزول بل مندمج في قلب المجتمع وهو ما يجعل أي توتر أكثر سرعة في الانتقال وأكثر اتساع في التأثير
وهنا يعود السؤال بإلحاح إلى أين يمكن أن يتجه هذا الممر العائم فكل احتكاك يضيف شحنة جديدة داخل بيئة مشحونة ومع غياب إدارة دقيقة قد تتشكل حالة من الحساسية المتزايدة يصعب احتواؤها في لحظة ما
ورغم ذلك يظل وجود الإطار القانوني هو عامل الحسم لكن هذا الإطار يحتاج إلى تفعيل أكثر صرامة وتنظيم أشمل يعتمد على الحصر الدقيق وتطبيق القانون بعدالة وحزم وفي الوقت نفسه تبرز أهمية تحرك دبلوماسي يضع المسؤولية على الجهات الدولية لتقاسم الأعباء بما يحقق توازن حقيقي بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الاستقرار المتوازن ضرورة لكنه لا يمكن أن يكون على حساب استقرار المجتمع فحماية التماسك الداخلي تظل الأساس الذي تنطلق منه أي معالجة
وفي ختام هذا الممر يظل التعامل مع هذا الملف مرهون بقدرة صانع القرار على الجمع بين الدقة والحسم وبين الرؤية الاستراتيجية والمرونة التنفيذية بما يضمن احتواء التداعيات والحفاظ على استقرار المجتمع دون الإخلال بالالتزامات الإنسانية في إطار منضبط ومتوازن يواكب تعقيدات الواقع ويحسن إدارة تحولاته
وفي لحظة تتقاطع فيها الإنسانية مع ضرورات البقاء لا يكون التحدي في استقبال الواقع بل في القدرة على إدارته قبل أن يعيد هو تشكيلنا وفق منطقه الخاص

