غير مصنف

رحيل اللواء طارق عبد الباعث بركات.. حين غاب صاحب الخطط وبقيت الحكاية

كتبت – نهى العربى

لم يكن خبرًا عابرًا.. كان رحيلًا أثقل القلوب، وأوقف كثيرًا من التفاصيل عند نقطة لم يكن أحد يتوقع أن تكون نهايتها.

رحل اللواء طارق عبد الباعث بركات، مساعد رئيس حزب حماة الوطن وأمين عام الحزب بمحافظة البحيرة، في المدينة المنورة أثناء أداء مناسك العمرة، تاركًا خلفه حالة من الحزن بين زملائه ومحبيه وكل من جمعته به رحلة عمل أو موقف أو مسؤولية.

رحل في وقت كانت فيه أمامه ملفات مفتوحة، ومشروعات يتابع تفاصيلها، وخطط يعمل على إعدادها، وأفكار كان يسعى إلى تحويلها إلى واقع.

ولهذا كان وقع الرحيل أكثر قسوة..

فبعض الأشخاص لا يغيبون فقط عن أماكنهم، وإنما يغيب معهم صوت اعتاد الآخرون سماعه، ورؤية اعتادوا مناقشتها، وقرارات كانوا ينتظرونها، وتفاصيل صغيرة اعتادوا أن يجدوا صاحبها حاضرًا فيها.

رحل قبل أن يرى بعض ما خطط له

من أكثر ما يتركه رحيل اللواء طارق عبد الباعث بركات من ألم، أن عددًا من الملفات التي كان يتابعها لم تكن قد وصلت إلى نهايتها بعد.

كان مركز «بداية 2» بكفر الدوار على مشارف الافتتاح، وكان يعمل بالتوازي على إعداد خطة للتدريب المهني تستهدف المرأة المعيلة، بما يفتح أمامها فرصًا لاكتساب مهارات تساعدها في تحسين ظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

وكان التحضير كذلك قائمًا لمركز «بداية 3» بإيتاي البارود، ضمن تصور لتوسيع نطاق مشروعات التدريب وتنمية المهارات وخدمة أبناء المحافظة.

كانت هذه المشروعات جزءًا من أجندة عمله في الفترة الأخيرة، وكان يتابع تفاصيلها خطوة بخطوة.

لكن الرحيل جاء قبل لحظة الاكتمال.

قبل أن يرى الأبواب تُفتح.

وقبل أن يشاهد بعض الخطط التي وضعها تتحول إلى واقع.

من ميادين القيادة إلى العمل المجتمعي

امتدت مسيرته من العمل العسكري والاستخباراتي إلى العمل الحزبي والمجتمعي، حاملاً معه خبرات في التخطيط والتنظيم والمتابعة وإدارة الملفات.

وفي تجربته داخل حزب حماة الوطن بالبحيرة، ظهر اهتمام واضح ببناء منظومة عمل أكثر تنظيمًا، تقوم على تحديد المسؤوليات، وتوزيع الأدوار، ومتابعة الأداء، والاستفادة من قدرات الكوادر.

وفي اجتماعات العمل التي قادها، كان ملف المواطن حاضرًا بصورة واضحة؛ فخدمة المواطنين والتفاعل مع احتياجاتهم كانا ضمن المحاور التي جرى التأكيد عليها في خطط العمل الحزبي بالمحافظة.

لم تكن الفكرة بالنسبة له أن يكون هناك تنظيم لمجرد التنظيم، وإنما أن يتحول التنظيم إلى وسيلة للعمل على الأرض.

«بداية».. مشروعات تحمل ما كان يفكر فيه

ربما كانت مراكز «بداية» من أكثر الملفات التي تختصر جانبًا من طريقة تفكيره.

تدريب.

تنمية مهارات.

وعي.

خدمة للمجتمع.

وفرص يمكن أن تساعد الشباب والمرأة على تطوير قدراتهم.

ولهذا لم يكن مركز «بداية 2» مجرد مقر جديد بالنسبة له، بل مشروعًا كان يتابعه حتى اقترب من لحظة افتتاحه، بالتوازي مع التفكير في البرامج التي يمكن أن يقدمها، وعلى رأسها التدريب المهني للمرأة المعيلة.

وكان مركز «بداية 3» بإيتاي البارود ضمن المشروعات التي يجري التحضير لها.

اليوم، أصبحت هذه المشروعات تحمل ذكرى صاحب الفكرة والمتابعة، وأصبحت الخطط التي كان يناقش تفاصيلها جزءًا من سيرته التي تركها خلفه.

«صحة وطن».. آخر المشاهد

وقبل رحيله بأيام قليلة، كان اسم اللواء طارق عبد الباعث بركات حاضرًا في مبادرة «صحة وطن» التي أطلقها حزب حماة الوطن بالبحيرة في كفر الدوار، لتقديم خدمات الكشف والعلاج بالمجان من خلال قافلة طبية متكاملة.

وكانت المبادرة واحدة من الملفات المجتمعية التي ارتبطت بالعمل خلال الفترة الأخيرة، في محاولة للوصول بالخدمة إلى المواطنين وتقديمها بصورة مباشرة.

لم يكن أحد يتخيل أن النشاط الذي كان يُتابَع ويُنفذ في سبتمبر، سيصبح بعد أيام قليلة واحدًا من آخر الملفات التي ارتبط بها اسمه قبل الرحيل.

الإنسان خلف المنصب

وراء كل منصب رسمي إنسان.

وخلف كل اجتماع تفاصيل.

وخلف كل قرار أشخاص يتذكرون صاحبه بطريقة مختلفة.

قد يتذكره أحدهم من خلال اجتماع طويل، وآخر من خلال توجيه، وثالث من خلال فكرة ناقشها معه، ورابع من خلال موقف لم ينسه.

وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل غياب الإنسان أكثر حضورًا بعد رحيله.

فالمنصب ينتهي.

والموقع يتغير.

لكن الذكريات التي تركها الإنسان في نفوس من حوله لا تنتهي بسهولة.

حين يتوقف العمل.. ولا تتوقف الحكاية

رحل اللواء طارق عبد الباعث بركات، لكن الملفات التي عمل عليها لا تزال موجودة.

هناك خطة للتدريب المهني للمرأة المعيلة.

وهناك مركز «بداية 2» الذي كان يستعد للافتتاح.

وهناك تحضيرات لمركز «بداية 3».

وهناك تجربة «صحة وطن».

وهناك اجتماعات وخطط وأفكار وملفات كان يتابعها حتى الأيام الأخيرة.

كل ذلك أصبح اليوم جزءًا من سيرته.

ليس لأنه أكمل كل ما بدأه، وإنما لأن بعض المشروعات تحولت إلى شاهد على ما كان يفكر فيه ويعمل من أجله.

رحيل يترك فراغًا

الحزن على رحيل اللواء طارق عبد الباعث بركات لا يرتبط فقط بفقدان قائد أو مسؤول، وإنما بفقدان إنسان كان حاضرًا في تفاصيل كثيرة.

رحل فجأة.

وبقيت الأسئلة التي لم تُطرح.

والخطط التي لم تكتمل.

والاجتماعات التي لن تُعقد بالصوت نفسه.

والأفكار التي كانت تنتظر منه متابعة جديدة.

وهنا تبدو قسوة الرحيل..

أن يغيب الإنسان، بينما لا تزال هناك أشياء كثيرة كان يريد أن يفعلها.

وفي النهاية..

لم تكن مسيرة اللواء طارق عبد الباعث بركات مجرد مجموعة من المناصب، وإنما رحلة انتقل خلالها من ميادين العمل العسكري والاستخباراتي إلى مجال مختلف، حاول فيه أن يوظف خبراته في التخطيط والتنظيم والمتابعة لخدمة العمل الحزبي والمجتمعي.

ومن الهيكلة إلى التدريب، ومن متابعة المقرات إلى الاهتمام بالمواطن، ومن مراكز «بداية» إلى «صحة وطن».. ظلت فكرة العمل المنظم حاضرة في كثير من الملفات التي ارتبط بها خلال الفترة الأخيرة.

ورحل قبل أن يرى بعض هذه الملفات مكتملة.

لكن الإنسان لا يُقاس فقط بما أنجزه حتى النهاية، وإنما أيضًا بما بدأه، وما تركه من أفكار، وما فتحه من طرق، وما تركه في ذاكرة من عرفوه وعملوا معه.

رحم الله اللواء طارق عبد الباعث بركات، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ختام رحلته في المدينة المنورة أثناء أداء العمرة رحمةً ومغفرةً له.

نسأل الله أن يربط على قلوب أسرته وأهله وزملائه ومحبيه، وأن يمنحهم الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى