اخبار محلية

“الأوقاف تواصل رسالتها في بناء الوعي المجتمعي”.. لقاء توعوي بمسجد ناصر بأسيوط يؤكد أن تكريم الإنسان منهج حياة وصون كرامته أساس للسلام الاجتماعي

اسيوط- علاء عيد

في إطار البرنامج التثقيفي الذي أطلقته وزارة الأوقاف، والهادف إلى الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، وترسيخ الوعي الرشيد، وتعزيز منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية، وتنفيذاً لتوجيهات معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف وبرعاية فضيلة الدكتور عيد على خليفة وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط ،بتنظيم لقاءات علمية وتثقيفية عقب صلاة الجمعة تتناول موضوعات الخطبة من مختلف الجوانب الشرعية والفكرية والاجتماعية،
،
شهد مسجد ناصر بمدينة أسيوط، اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026م، الموافق 20 ربيع الآخر 1448هـ، لقاءً توعويًّا تناول موضوع الخطبة بعنوان: «ولقد كرمنا بني آدم».

حاضر في اللقاء الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة أسيوط، بمشاركة فضيلة الشيخ أسامة عبد الحفيظ عارف، إمام وخطيب مسجد ناصر، وذلك بحضور عدد من رواد المسجد، في إطار حرص وزارة الأوقاف على الاستفادة من الخبرات الأكاديمية والعلمية المتخصصة، وربط القضايا الدينية بالواقع الاجتماعي؛ بما يسهم في بناء وعي متوازن، وترسيخ قيم الاحترام والعدل والرحمة داخل المجتمع.

وفي مستهل كلمته، أشاد الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني بجهود وزارة الأوقاف المصرية في تناول القضايا التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، مؤكدًا أن الحديث عن تكريم الإنسان لا ينبغي أن يظل في إطار المفاهيم النظرية، وإنما يجب أن يتحول إلى سلوك يومي ينعكس على طريقة تعامل الإنسان مع أسرته وزملائه وجيرانه وكل من يتعامل معهم، موضحًا أن المجتمع الذي يصون كرامة أفراده ويقيم علاقاته على العدل والاحترام يكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتعاون والسلام الاجتماعي.

وأوضح أن تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان تكريم عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، مشيرًا إلى أن هذا التكريم الإلهي يضع على الإنسان مسئولية أخلاقية، تتمثل في أن يدرك قيمة نفسه، وأن يحترم في الوقت ذاته كرامة الآخرين، فلا يجعل اختلاف المال أو المنصب أو النسب أو المهنة سببًا لاحتقار إنسان أو الانتقاص من قدره.

وأكد أن الوظائف والمكانات الاجتماعية قد تختلف، وأن الناس قد يتفاوتون في قدراتهم وإمكاناتهم المادية، إلا أن ذلك كله لا يسقط عن أي إنسان حقه في الاحترام والتقدير، مشددًا على أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من مال أو ما يشغله من منصب، وإنما بما يحمله من إنسانية وأخلاق، وأن احترام الآخرين ينبغي أن يكون قاعدة ثابتة في التعامل لا تتغير بتغير المكانة أو الظروف.

وأشار الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني إلى أن من القواعد الأخلاقية الكبرى في حياة الإنسان أن يعامل غيره بالطريقة التي يحب أن يعامله بها، فمن أراد الاحترام فعليه أن يحترم، ومن أراد الرحمة فعليه أن يكون رحيمًا، ومن احتاج إلى من يقف بجانبه فعليه أن يكون عونًا لغيره عندما يحتاج إليه، موضحًا أن وضع الإنسان نفسه مكان الآخرين يجعله أكثر قدرة على فهم مشاعرهم، وأبعد عن إصدار الأحكام الجارحة أو ممارسة السلوكيات التي تؤذيهم.

كما تناول أهمية قضاء حوائج الناس باعتباره من صور التكافل الاجتماعي، مؤكدًا أن مساعدة المحتاج لا تكتمل قيمتها إلا إذا اقترنت بحفظ كرامته ومراعاة مشاعره، فالمحتاج قد يحتاج إلى المال أو المشورة أو المساندة، لكنه لا يحتاج إلى أن يشعر بأنه أقل من غيره، مشيرًا إلى أن المعروف الحقيقي هو الذي يجمع بين تقديم العون وصيانة كرامة من يتلقى هذا العون.

وأكد أن العدل يمثل إحدى أهم صور تكريم الإنسان، فلا ينبغي أن يضيع حق الضعيف بسبب ضعفه، ولا أن يحصل القوي على ما ليس له بسبب نفوذه أو مكانته، لأن شعور الإنسان بأن حقه محفوظ وأنه يعامل بعدل يرسخ الثقة والانتماء، ويعزز الاستقرار داخل المجتمع.

وفي السياق ذاته، حذر من إساءة استخدام السلطة الإدارية أو الوظيفية، موضحًا أن امتلاك الإنسان سلطة على غيره لا يمنحه الحق في إهانته أو التقليل من شأنه، وأن اختلاف الوظائف لا يعني اختلاف الكرامة الإنسانية، مؤكدًا أن الإدارة الناجحة تقوم على الاحترام والعدل وحسن التوجيه، لا على التخويف والإذلال.

وتطرق إلى ضرورة التعامل مع الفقر باعتباره حاجة مادية لا تنتقص من قيمة الإنسان، مؤكدًا أن الفقير والمحتاج لا يفقدان شيئًا من كرامتهما بسبب ظروفهما، وأن مساعدة المحتاج ينبغي أن تكون في إطار من الرحمة والستر والاحترام، بعيدًا عن المنّ أو التحقير أو إشعاره بالدونية.

كما حذر من السخرية والتنمر باعتبارهما من السلوكيات التي تمس كرامة الإنسان وتترك آثارًا نفسية واجتماعية قد تمتد لفترات طويلة، مؤكدًا أن السخرية ليست مجرد وسيلة للترفيه أو خفة الظل، وأن الكلمة قد تكون سببًا في رفع معنويات إنسان وبناء ثقته بنفسه، كما قد تكون سببًا في جرحه وتحطيمه أمام الآخرين.

وشدد على أن خطورة هذه السلوكيات تزداد في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح نشر الصور والمعلومات والتعليقات أمرًا بالغ السهولة، مؤكدًا أن سهولة النشر لا تعني امتلاك الحق في انتهاك خصوصيات الآخرين، وأن احترام خصوصية الإنسان جزء أصيل من احترام كرامته، داعيًا إلى التثبت من آثار ما ينشره الإنسان قبل مشاركته، وعدم نشر ما قد يضر الآخرين أو يسيء إليهم دون حق.

وانتقل اللقاء إلى دور الأسرة في بناء شخصية الإنسان، حيث أكد الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني أن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى التقدير والاحترام، وأن كلمات التشجيع التي يسمعها الطفل من والديه تسهم في بناء ثقته بنفسه وقدرته على التعامل الإيجابي مع الآخرين، كما أن التقدير المتبادل بين الزوجين وشكر كل طرف للآخر على ما يبذله من جهد يمثلان ركيزة مهمة في تعزيز المودة وتقوية الروابط الأسرية.

وأوضح أن القيم التي يتعلمها الإنسان داخل أسرته تنتقل معه إلى المدرسة والعمل والمجتمع، ولذلك فإن بناء السلام الاجتماعي يبدأ من داخل البيوت، من خلال حسن التعامل والإنصاف والاستماع والتشجيع، والابتعاد عن الإهانة والتقليل من شأن الآخرين.

كما تناول أهمية شكر أصحاب المعروف، مؤكدًا أن تقدير ما يقدمه الآخرون من خير من الأخلاق التي تقوي العلاقات الإنسانية، وأن الاعتراف بفضل الآخرين يزرع روح المودة والتعاون، ويشجع على استمرار فعل الخير.

وأكد أن تكريم الإنسان ليس قيمة منفصلة عن غيرها من القيم، وإنما هو منظومة متكاملة تشمل احترام الإنسان، والعدل معه، وقضاء حوائجه، وحفظ خصوصيته، والابتعاد عن السخرية والتنمر، واحترام العامل والفقير، وتشجيع الأبناء، وتقدير جهود أفراد الأسرة، وشكر أصحاب المعروف، مشيرًا إلى أن تحول هذه القيم إلى سلوك يومي ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع وترابطه.

وشهد اللقاء حوارًا مفتوحًا مع الحضور، أجاب خلاله الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني عن عدد من التساؤلات حول كيفية تحويل تكريم الإنسان من قيمة نتحدث عنها إلى سلوك نمارسه في حياتنا اليومية، موضحًا أن البداية تكون من التفاصيل الصغيرة في تعاملات الإنسان؛ من احترام العامل والفقير، والعدل مع من يختلف معه، ومساعدة المحتاج دون إذلال، والابتعاد عن السخرية والتنمر، واحترام خصوصيات الآخرين، والحرص على الكلمة الطيبة والتشجيع والتقدير داخل الأسرة ومحيط العمل والمجتمع.

كما تناول العلاقة بين تكريم الإنسان وتحقيق السلام الاجتماعي، موضحًا أن احترام الإنسان وحفظ كرامته يولدان الشعور بالأمان والانتماء والثقة المتبادلة، بينما تؤدي الإهانة والتمييز والسخرية والتعدي على الحقوق إلى إضعاف العلاقات بين أفراد المجتمع، ومن ثم فإن العدل والاحترام وقضاء الحوائج وحفظ الكرامة تمثل ركائز أساسية في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

وفي ختام اللقاء، تفاعل الحضور مع ما طرحه الأستاذ الدكتور حمد الله أحمد كيلاني من قضايا وأفكار، مؤكدين أهمية أن تتحول قيمة تكريم الإنسان من مفهوم نتحدث عنه إلى ممارسة يومية تظهر في تعاملاتنا وسلوكياتنا، من خلال احترام الآخرين والعدل بينهم، وقضاء حوائجهم، وحفظ خصوصياتهم، والابتعاد عن السخرية والتنمر، ونشر ثقافة التقدير والتشجيع والشكر؛ بما يعزز قيم الرحمة والتعاون والاحترام، ويسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا، ويجسد رسالة وزارة الأوقاف في بناء الإنسان وصناعة الوعي الرشيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى